الناقد الثقافي إبراهيم العريس: الإعلام الرقمي يقتل الكتابة العميقة والنخبة العربية تتحصن خلف الأيديولوجيا
في حوار صريح مع منصة جمهرة، يناقش الناقد الثقافي والمفكر اللبناني إبراهيم العريس أزمة الثقافة العربية المعاصرة، والدور المتراجع للنقد الأدبي، وتأثير وسائل التواصل على مستقبل الفكر العربي. يكشف العريس عن رؤيته حول ضرورة إعادة تعريف الدور الثقافي في عصر الانفجار المعلوماتي.
إبراهيم العريس
ناقد أدبي وكاتب ومفكر لبناني، رئيس تحرير سابق لملحق الثقافة في جريدة الحياة
لاحظنا تراجعاً ملحوظاً في قراءة الأدب العميق وخاصة النقد الأدبي. هل نحن فعلاً في أزمة ثقافية حقيقية أم أنها أزمة انتقال؟
نحن أمام أزمة حقيقية وليست مجرد انتقال، لكنها أزمة معقدة تتجاوز مسألة القراءة. الإعلام الرقمي والشبكات الاجتماعية غيرت البنية الأساسية للنقاش الثقافي، فأصبح الكل ناقداً والكل كاتباً، وهذا أفقد النقد مصداقيته المهنية. الثقافة العربية تعاني من سيطرة الاجتهادات الشخصية على حساب المعرفة المنهجية والقراءة الجادة.
أنت عاصرت ذروة العمل الصحفي الثقافي في الثمانينيات والتسعينيات. هل تشعر بالحنين لتلك الحقبة؟
بصراحة، لا أشعر بالحنين بقدر ما أشعر بالقلق على الأجيال الجديدة. كنا نملك حرية نسبية أكثر وحدود ناشر واضحة تحترم الكتابة الجادة. اليوم الخطوط حمراء غير مرئية والرقابة ذاتية بسبب الخوف من وسائل التواصل. لكن في ذات الوقت، كان لدينا فرصة الوصول إلى أقل عدد من القراء مقارنة بالآن، فالمعادلة معقدة جداً.
هناك من يقول إن الأيديولوجيا استحوذت على الخطاب الثقافي العربي. كيف نخرج من هذا الفخ؟
الأيديولوجيا هي سجن النخبة العربية، والمثقف العربي يفضل أحياناً أن يكون محاربة ثقافية بدلاً من أن يكون مرآة للمجتمع. للخروج من هذا الفخ، نحتاج إلى شجاعة حقيقية في الكتابة والنقد، وإلى تقبل الاختلاف دون اعتباره خيانة. للأسف، هذا لا يحدث حالياً في معظم الفضاءات الثقافية العربية.
ما رأيك في الاتجاهات الحديثة مثل الأدب الرقمي والقصص المختصرة على المنصات الاجتماعية؟
أنا لا أرفضها من حيث المبدأ، لكن هذه الأشكال الجديدة لا تحل مشكلة فقداننا للكتابة العميقة. القصة المختصرة قد تكون فناً بحد ذاته، لكنها لا تستطيع أن تحمل الفكر المعقد والنقاش الفلسفي. نحتاج للتوازن: كتابة سريعة للتفاعل اليومي، وكتابة عميقة للأرشيف الثقافي الحقيقي.
كيف يمكن للناقد الأدبي المعاصر أن يحافظ على استقلاليته وهو يعيش ضغوطاً مالية واجتماعية كبيرة؟
هذا السؤال يشير إلى المشكلة الأصلية: لا يوجد تمويل حقيقي للنقد الأدبي الجاد في العالم العربي. المثقف العربي مضطر للعمل في مجالات أخرى أو الارتماء في أحضان رعاة معينين يفرضون عليه اجتهاداتهم. الحل يكمن في خلق بيئة تقدر الثقافة والنقد المستقل، وهذا يتطلب سياسات ثقافية حقيقية وليس شعارات فقط.
البعض ينتقد المثقف العربي بأنه انقطع عن قضايا الشارع. هل هذا انتقاد عادل؟
انتقاد جزئياً عادل. المثقف العربي انشغل بمعارك فكرية وأيديولوجية بعيدة عن الواقع اليومي للناس. في نفس الوقت، الشارع العربي أصبح أكثر تعقيداً ولا يقبل الخطابات الجاهزة. المثقف يجب أن يكون جسراً بين الفكر المعقد والواقع الملموس، وهذا يتطلب منه أن يترك برجه العاجي ويستمع قبل أن يتحدث.
ما توقعك لمستقبل الثقافة العربية في العقد القادم؟
أتوقع انقسام أكثر وضوحاً: ثقافة نخبوية معزولة وثقافة شعبية رقمية سطحية. لكن أتوقع أيضاً ظهور أصوات جديدة تحاول الجمع بين العمق والوصول. الأمل يكمن في الأجيال الشابة التي لم تتحصن خلف الأيديولوجيات القديمة بعد. إذا تمكنا من إنشاء منصات جادة تحتفي بالنقد المستقل والكتابة العميقة، قد نشهد نهضة ثقافية حقيقية.
كلمة أخيرة موجهة للشباب العربي المهتم بالثقافة والنقد؟
قولي لهم: لا تقبلوا الجاهز والمكرر. اقرؤوا بنهم حقيقي، اكتبوا بشجاعة، انقدوا بعدالة. الثقافة ليست ترفاً بل هي أساس أي تغيير حقيقي في المجتمع. لا تخافوا من الأيديولوجيات ولا من السلطات، اخافوا فقط من أن تصبحوا حاملي أفكار غيركم دون أن تفكروا.

