نستضيف اليوم في 'جمهرة' البروفيسورة جنيفر دودنا، الحائزة على جائزة نوبل في الكيمياء، لمناقشة التطورات الثورية في تقنية كريسبر (CRISPR) وتأثيرها على مستقبل البشرية، الأخلاقيات، والتحديات العلمية التي تواجه هذا المجال.
البروفيسورة جنيفر دودنا
أستاذة الكيمياء وعلم الأحياء الجزيئي، جامعة كاليفورنيا بيركلي، حائزة على جائزة نوبل في الكيمياء 2020
بعد سنوات من اكتشاف CRISPR وتطويرها، ما هو أكبر إنجاز برأيك حققته هذه التقنية حتى الآن، وما هي المجالات التي تجاوزت فيها توقعاتك الأولية؟
أعتقد أن القدرة على تعديل الجينوم بدقة غير مسبوقة هو الإنجاز الأكبر. ما فاجأني حقًا هو سرعة تبنيها في مجالات متنوعة تتجاوز البحث الأساسي، مثل الزراعة والطب السريري. لم أتوقع أن نصل بهذه السرعة إلى تجارب سريرية لعلاج أمراض وراثية مستعصية مثل فقر الدم المنجلي.
تثار مخاوف أخلاقية كبيرة حول إمكانية 'تصميم الأجنة' أو التعديلات الجينية الموروثة. كيف ترين هذه المخاوف، وما هي الخطوط الحمراء التي يجب أن لا نتجاوزها علميًا وأخلاقيًا؟
هذه المخاوف مشروعة وضرورية. أعتقد أن الخط الأحمر الحالي يكمن في التعديلات الجينية الموروثة على الخلايا الجرثومية البشرية (التي تنتقل للأجيال القادمة). يجب أن يكون هناك إجماع عالمي ودراسة متأنية للآثار طويلة المدى قبل التفكير في مثل هذه الخطوات، مع التركيز حاليًا على العلاجات الجسدية التي لا تؤثر على الأجيال المستقبلية.
برأيك، ما هي التحديات التقنية الكبرى التي لا تزال تواجه تطبيقات CRISPR، وما هي الأبحاث التي تعتقدين أنها حاسمة للتغلب على هذه التحديات في السنوات القادمة؟
التحديات لا تزال قائمة، أبرزها دقة الاستهداف خارج الموقع (off-target effects) وكفاءة التوصيل للخلايا المستهدفة داخل الكائن الحي. أعتقد أن الأبحاث في مجال تطوير أنظمة CRISPR جديدة ذات دقة أعلى، وتحسين ناقلات التوصيل الفيروسية وغير الفيروسية، ستكون حاسمة. كذلك، فهم البيولوجيا المعقدة للخلايا لتحسين كفاءة التعديل.
ما هي رؤيتك لمستقبل الطب الشخصي (personalized medicine) بفضل CRISPR؟ هل يمكن أن نصل إلى مرحلة يكون فيها العلاج الجيني مصمماً لكل فرد بناءً على تركيبته الجينية الفريدة؟
بالتأكيد. CRISPR هي أداة قوية للغاية في تحقيق الطب الشخصي. يمكننا تخيل مستقبل حيث يتم تشخيص الأمراض الوراثية مبكرًا، وتصميم علاجات جينية مخصصة لإصلاح العيوب الجينية الفردية. هذا يتطلب بالطبع بيانات جينية واسعة النطاق وفهمًا عميقًا لكيفية تفاعل الجينات، لكننا نتحرك في هذا الاتجاه بخطوات ثابتة.
بعيدًا عن الأمراض البشرية، كيف يمكن لـ CRISPR أن تحدث ثورة في مجالات أخرى مثل الزراعة، الطاقة، أو حتى البيئة؟
تأثير CRISPR يتجاوز الطب بكثير. في الزراعة، يمكننا تطوير محاصيل أكثر مقاومة للآفات والجفاف، وأكثر إنتاجية، مما يساهم في الأمن الغذائي العالمي. في البيئة، هناك أبحاث واعدة لاستخدام CRISPR لمكافحة الأمراض المنقولة بالنواقل أو حتى إزالة الملوثات. الإمكانيات واسعة جدًا، وما زلنا في بداية استكشافها.
ما هي النصيحة التي تقدمينها للعلماء الشباب الذين يتطلعون للعمل في مجال الهندسة الوراثية؟ وما هي المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكوها ليكونوا روادًا في هذا المجال؟
أنصحهم بالفضول الدائم، وعدم الخوف من طرح الأسئلة الكبيرة. يجب أن يطوروا أساسًا قويًا في الكيمياء والبيولوجيا الجزيئية والمعلوماتية الحيوية. الأهم هو القدرة على التفكير النقدي، والتعاون مع الآخرين، والأخلاقيات العلمية السليمة. هذا المجال يتطلب عقولًا متعددة التخصصات وشغفًا بالحلول الإبداعية.
إذا كان بإمكانك العودة بالزمن والتحدث إلى نفسك في بداية مسيرتك المهنية، ما هي الرسالة الرئيسية التي كنتِ ستقدمينها لها حول مستقبل العلم وتطوراته؟
كنت سأقول لنفسي: 'استمري في فضولك، ولا تخشي المجهول. الأفكار التي تبدو مستحيلة اليوم قد تصبح حقيقة الغد بفضل المثابرة والعمل الجماعي. الأهم هو أن تظللي ملتزمة بالاستكشاف العلمي وبالمسؤولية الأخلاقية تجاه الاكتشافات'.
هذا حوار متخيّل، يحاكي مقابلة حقيقية استندنا فيها بشكل أساسي إلى مقابلات وتصريحات حقيقية وإلى البيانات المنشورة حول ضيفنا وأعماله.

