محمد العريان: التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي ستشكّل مستقبل المنطقة العربية
في مقابلة حصرية مع منصة جمهرة، يناقش الخبير الاقتصادي والمستثمر التكنولوجي محمد العريان التحديات التي تواجه التحول الرقمي في العالم العربي، والفرص الاستثمارية الناشئة في قطاع التكنولوجيا. يكشف العريان عن رؤيته للدور الذي يجب أن تلعبه الدول العربية لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة وتجنب التخلف التكنولوجي.
محمد العريان
خبير اقتصادي ومستثمر في القطاع التكنولوجي
كيف تقيّم الفجوة التكنولوجية الحالية بين الدول العربية والقوى التكنولوجية العالمية، وهل يمكن لدولنا تضييقها؟
الفجوة موجودة وحقيقية، لكنها ليست حتمية. المشكلة ليست في الموارد المالية — فالدول الخليجية تملك رؤوس أموال ضخمة — بل في الاستراتيجية والتركيز على المدى الطويل. نحتاج إلى بناء نظم تعليم قوية في العلوم والهندسة والرياضيات، وتشجيع ريادة الأعمال الحقيقية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد التكنولوجي. الإمارات والسعودية بدأتا تحرّكاً جادّاً، لكننا بحاجة إلى تسريع الخطى.
ما رأيك في سياسات الحكومات العربية تجاه تنظيم الذكاء الاصطناعي؟ هل تشجع الابتكار أم تخنقه؟
هناك توتر حقيقي بين الأمان والابتكار. بعض الحكومات تركز على التحكم والرقابة بشكل مفرط، وهذا يؤدي إلى هجرة الموارد البشرية والشركات الناشئة نحو بيئات أكثر حرية. نحتاج إلى تنظيم ذكي وليس معطل، يوازن بين حماية حقوق المواطنين وتشجيع الشركات على الاستثمار والابتكار. الإمارات تحاول هذا المسار، لكن يجب أن تكون الشفافية في القوانين أولوية.
هناك انتقادات متكررة بشأن تركيز الاستثمارات التقنية في المدن الكبرى فقط. كيف يمكن نشر الفوائد التكنولوجية على المناطق الريفية والدول الأقل تطوراً؟
هذه مشكلة اجتماعية وليست تقنية فقط. يمكننا استخدام البنى التحتية الموجودة — الهاتف المحمول والإنترنت — لإحداث تغييرات حقيقية في الزراعة والتعليم والصحة. المشكلة أن المستثمرين يبحثون عن عائد سريع، والقطاع الريفي قد لا يوفّر ذلك في الأفق القريب. حكومات يجب أن تتدخل هنا بسياسات حوافز وتمويل موجه للمناطق المهمشة تكنولوجياً.
كيف تقيّم دور الشركات الناشئة العربية في المنافسة العالمية، وهل يوجد 'يونيكورن' عربي حقيقي؟
لدينا شركات ناشئة عربية قوية وواعدة، لكننا لم نصل بعد إلى مستوى 'يونيكورن' حقيقي بالمعايير العالمية. المشكلة أن الشركات الناشئة الناجحة سرعان ما يتم استحواذها من قبل شركات أجنبية، أو يضطر مؤسسوها للهجرة. نحتاج إلى صناديق استثمار محلية قوية وشبكات دعم أفضل من مسرعات الأعمال والحاضنات. مصر والسعودية والإمارات بدأت تستثمر في هذا، والنتائج ستظهر في السنوات القادمة.
أنت من دعاة التنويع الاقتصادي. هل التكنولوجيا حقاً بديل حقيقي عن الاقتصاد النفطي للدول الخليجية؟
التكنولوجيا ليست بديلاً بقدر ما هي ضرورة استراتيجية. الاقتصاد النفطي سيبقى مهماً لسنوات قادمة، لكن الاتجاه العالمي نحو الطاقة النظيفة والتحول الرقمي لا رجعة فيه. الدول الخليجية التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتكنولوجيا الخضراء ستكون في موضع أفضل. نحتاج إلى رؤية متكاملة: الاستثمار في التكنولوجيا الآن لضمان ازدهار اقتصادي على المدى الطويل.
برأيك، ما أكبر تهديد يواجه المنطقة العربية في السباق التكنولوجي العالمي؟
أكبر تهديد هو هجرة العقول. آلاف الموهوبين العرب يختارون العمل في وادي السيليكون وأوروبا لأن البيئة الحاضنة للابتكار أفضل. إذا استمررنا في خسارة أفضل عقولنا، فسنخسر السباق بغض النظر عن حجم الاستثمارات. نحتاج إلى خلق حوافز حقيقية — ليس مالية فقط بل أيضاً بيئة عمل حرة، فرص نمو واقعية، واحترام للابتكار والتطور المهني.
هناك نقاشات حول دور الجامعات العربية في دعم البحث التكنولوجي. ما الذي تحتاج إلى تغييره؟
الجامعات العربية تركيزها على التعليم النظري أكثر من التطبيقي والبحث العملي. نحتاج إلى تحويل الجامعات إلى محاور حقيقية للابتكار، بشراكات قوية مع الصناعة والقطاع الخاص. يجب أن تكون هناك حرية أكاديمية حقيقية للباحثين، وتمويل كافٍ للمشاريع البحثية الطموحة. الجامعات يجب أن تنتج ليس فقط خريجين، بل رواد أعمال وعلماء ومبتكرين يشكلون مستقبل منطقتهم.
رسالة أخيرة للشباب العربي المهتم بالتكنولوجيا: هل عليهم البقاء في الدول العربية والمساهمة في تطويرها، أم البحث عن فرص أفضل بالخارج؟
أقول لهم: لديكم خيارات. البقاء والمساهمة في البناء شاق لكن مجزٍ، والخروج قد يعطيكم تجربة عالمية قيّمة. الأفضل أن تعملوا مع رؤية عالمية وأن تكونوا جسراً بين أسواقنا والعالم. سواء بقيتم أو رحلتم، كونوا سفراء للابتكار العربي. التغيير يأتي من الناس، والشباب هم محركوه. استثمروا في أنفسكم، تعلموا باستمرار، ولا تستسلموا للتحديات.
