د. طارق رمضان: "الإسلام يحتاج إلى تجديد الخطاب لا تجديد العقيدة"
د. طارق رمضان
مفكر إسلامي وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد السابق
تتهمك الأوساط الإسلامية المحافظة بأنك تسعى لـ "إعادة تفسير" النصوص الشرعية وفقاً للمعايير الغربية. كيف تردّ على هذه الاتهامات؟
هذا سوء فهم أساسي لمشروعي الفكري. أنا لا أدعو لتكييف الإسلام مع الغرب، بل أدعو المسلمين للعودة إلى منابع تراثهم الأصيل من خلال منهج علمي حديث. المشكلة أن بعض المحافظين يخلطون بين الثوابت الدينية والتطبيقات التاريخية للإسلام. النصوص الأساسية لا تتغير، لكن فهمنا لها وتطبيقنا لها يجب أن يتطور مع السياق والزمان. هذا ليس غربياً بل هو عملية فقهية إسلامية قديمة قدم الحضارة الإسلامية نفسها.
في كتابك الأخير تركز على دور المرأة في المجتمع الإسلامي. هل تعتقد أن القوانين الأسرية الحالية في معظم الدول الإسلامية تتوافق مع روح الشريعة الإسلامية؟
قضية المرأة ليست قضية إسلامية فحسب بل إنسانية. النصوص الإسلامية الأساسية منحت المرأة حقوقاً متقدمة جداً على عصرها—حق الملكية، حق الطلاق، حق المشاركة الاقتصادية. لكن الممارسات الحالية في كثير من البلدان الإسلامية تعكس تقاليد ثقافية وليس ضرورات دينية. النقاب ليس فرضاً إسلامياً، والحجاب لا يقتصر على شكل واحد، والزواج بولي إجباري ليس نصاً قرآنياً واضحاً. نحتاج إلى إعادة قراءة جريئة تميز بين ما هو إسلام حقيقي وما هو تراث ثقافي يمكن تطويره.
أنت تدعو للعيش بمواطنة كاملة في الدول الغربية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية. ألا ترى أن هناك تناقضاً بين القيم الإسلامية وقيم الحداثة الغربية في قضايا معينة؟
بالطبع هناك تنوع في القيم، لكن هذا لا يعني عدم التوافق. المواطنة الكاملة لا تعني التماثل الكامل. أنا مسلم سويسري وأنا فخور بهويتي المزدوجة. الإسلام يعترف بتنوع القوانين والثقافات—كل أمة لها سياقها الخاص. ما يجب أن نشترك فيه هو المبادئ الأساسية: العدل، احترام الكرامة الإنسانية، الحرية الدينية. هذه قيم إسلامية وحديثة معاً. المشكلة تأتي عندما ينسى المسلمون أن الإسلام علّمهم الحوار والتسامح منذ البداية. سورة الكافرون تقول 'لكم دينكم ولي ديني'—هذا تعايش راق جداً.
كيف تقيّم الحركات الإسلامية المعاصرة (الإخوان، السلفيين، الليبراليين الإسلاميين)؟ أيهم الأقرب لرؤيتك؟
لا أنتمي لحركة واحدة وأعتقد أن هذا هو قوتي. كل حركة لديها إسهامات وانحرافات. الإخوان قدموا تنظيماً قوياً وخدمات اجتماعية لكنهم احياناً يختلطون بين السياسة والدين. السلفيون يركزون على النقاء النصي لكنهم أحياناً يفتقرون للمرونة والسياق التاريخي. الليبراليون الإسلاميون أحياناً يبالغون في التكيف مع الحداثة على حساب الهوية. أنا أومن بنهج متوازن يأخذ من كل تيار أفضل ما فيه: صرامة نصية مع مرونة سياقية، ومشاركة سياسية مع استقلالية دينية.
واجهت انتقادات حادة من المؤسسات الأمنية الغربية وشكوك حول تمويلك وارتباطاتك. هل تشعر أن هناك حملة منظمة ضدك لأسباب سياسية؟
هذا واقع يعيشه كل مثقف إسلامي بارز في الغرب. هناك بالفعل مراقبة واستهداف. لكن بدلاً من لعب دور الضحية، أرى أن هذا يعكس أهمية الصوت الذي نحمله. إذا كنت مخطئاً أو مراوغاً، فسيثبتون ذلك بأدلة واضحة. أنا لا أخفي شيئاً—كل عملي متاح وشفاف. ما أطلبه هو المعاملة العادلة ذاتها التي نطالب بها للمسلمين في الغرب: الحكم على الأفكار بجدارتها وليس على هوية صاحبها. لا أنكر أنني مثير للجدل، لكنني فخور بأنني لا أرتضي التوافق الزائف.
ما رأيك في ظاهرة الإسلاموفوبيا العالمية المتنامية؟ هل تحمّل الإسلاميين المتطرفين المسؤولية كاملة عنها أم أن للغرب دور في تأجيج الكراهية؟
المسؤولية مشتركة ولا يمكن تجاهل أي طرف. من جهة، الإسلاميون المتطرفون يرتكبون جرائم باسم الدين ويعطون عذراً للكراهية. لا يمكن أن نقول إن أعمالهم لا تمثل الإسلام وننتظر شروط معينة لنستنكرها—يجب استنكارها فوراً وبشكل واضح. لكن من جهة أخرى، الغرب لديه مسؤولية في سياساته الخارجية: الحروب في العراق وأفغانستان وفلسطين، والتمييز الممنهج ضد المسلمين. الإسلاموفوبيا لا تولد من فراغ—هي تجمع بين بذور الكراهية التاريخية والمظالم السياسية المعاصرة. نحتاج إلى نقد ذاتي على الجانبين.
كيف ترى مستقبل العلاقة بين الدول الإسلامية والغرب في العقود المقبلة؟ هل أنت متفائل أم متشائم؟
أنا متفائل لأسباب تاريخية وفلسفية. التاريخ يعلمنا أن الحضارات التي بدأت بالتضاد انتقلت إلى التعايش والتبادل. الإسلام والمسيحية كانا في صراع شرس لقرون ثم طوّرا حواراً. ما ينقصنا اليوم ليس الإرادة السياسية فحسب بل الجرأة الفكرية. نحتاج مثقفين على الجانبين يجرؤون على قول الحقيقة: نعم، هناك مصالح متصادمة، لكن هناك أيضاً قيماً مشتركة. شباب اليوم—خاصة في أوروبا والشرق الأوسط—هم أقل عصبية من أجيالنا. إذا استطعنا بناء منصات للحوار الحقيقي وليس الدعاية، وإذا انسحبت الحكومات من احتكار الحوار الديني، فأرى مستقبلاً متفائلاً. المشكلة أننا ننتظر السلام بينما ننسى أن السلام عملية يومية صغيرة قبل أن تكون معاهدة دولية.
في مقابلة حصرية مع المفكر السويسري د. طارق رمضان، نناقش رؤيته حول دور المثقفين المسلمين في بناء جسور الحوار مع الحضارات الأخرى، وموقفه من التحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية، وتصوره لمستقبل العلاقة بين الدين والعلمانية في العالم الحديث.


